قراءة في ذاكرة الوطن: من تحولات 1969 إلى واقع ليبيا المعاصر


هذا الخبر بعنوان "من 1969 إلى اليوم.. قراءة في ذاكرة الوطن" نشر أولاً على موقع عين ليبيا وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 1 سبتمبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تقف الذاكرة الوطنية الليبية أمام تاريخ أول سبتمبر 1969 في محطة تستدعي التفكيك والتحليل الواعي بعيداً عن التقديس المطلق أو الإنكار التام؛ إذ لم تكن تلك اللحظة مجرد حدث عابر، بل كانت تحولاً مفصلياً حَرَّفَ مسار ليبيا السياسي والتنموي المتدرج ودفع بها نحو تجربة سياسية واجتماعية مختلفة تماماً.
ولعل الإنصاف التاريخي يوجب الاعتراف بأن ما دُعي بالثورة أو الانقلاب يعود في أصله البنيوي إلى الإنجاز الأكبر الذي حققه العهد الملكي عام 1963، حين تم تعديل الدستور وإلغاء النظام الفيدرالي والتحول من المملكة الليبية المتحدة إلى المملكة الليبية الموحدة. ولم يكن ذلك التحول الدستوري مجرد رغبة إدارية، بل فرضته ضرورة اقتصادية استراتيجية حاسمة تتمثل في بدء تصدير النفط الليبي بالأسواق العالمية كشريان ومورد مالي رئيس للدولة.
وقد أسهمت هذه الخطوة في توحيد الإدارات والمؤسسات والجيش الوطني، وهو الإطار المؤسسي الموحد الذي استندت إليه مجموعة الضباط صغار السن لتنفيذ التحرك والسيطرة على مقاليد الحكم في البلاد. وفي السياق ذاته، رفعت حركة الضباط شعار إنهاء التواجد الأجنبي وإغلاق القواعد العسكرية، غير أن التاريخ يوضح أن تلك القواعد لم تكن تفريطاً في السيادة، بل كانت اتفاقيات مؤجرة فرضتها الظروف الاقتصادية القاسية للغاية التي أعقبت حرب التحرير واستقلال البلاد.
إن الأجيال التي ولدت وعاشت في العقود الأخيرة حُرمت من المعرفة التاريخية المنصفة حول جذور تأسيس ليبيا الحديثة، حيث أسهم الملك إدريس السنوسي بدور محوري وحاسم بداية من إعلان استقلال برقة عام 1949 وصولاً إلى إعلان الاستقلال الشامل للبلاد في الرابع والعشرين من ديسمبر عام 1951 تحت اسم دولة ليبيا، بعد أن كانت مقسمة إلى ثلاثة أقاليم هي برقة وطرابلس وفزان.
وفي المقابل، فإن التاريخ يسجل لمعمر القذافي مواقف في الحفاظ على السيادة الوطنية واستعادة الهيبة واستصدار اعتذار رسمي وتاريخي من إيطاليا عن حقبة الاستعمار، إلا أن الإشكال البنيوي الكبير في عهده تمثل في الامتناع عن تقديم مشروع دولة مؤسسات قائمة على عقد اجتماعي ودستور دائم يضمن الحقوق ويوزع الثروات. وقد ظهر في السنوات الأخيرة مشروع ليبيا الغد برؤية سيف الإسلام القذافي كحراك إصلاحي حاول ترميم الأخطاء، إلا أنه اصطدم بحائط الصد المتمثل في مراكز نفوذ الحرس القديم وقيادات حركة اللجان الثورية.
إن الواقع المعاش اليوم يضع الجميع أمام حقيقة مجردة؛ فالنزاع حول شرعيات الماضي بين ملكية وسبتمبرية وفبرايرية لم يعد يسمن ولا يغني من جوع في ظل انعدام الخدمات الأساسية، وأزمات السيولة والكهرباء والوقود، وانهيار الاقتصاد والغلاء المعيشي الطاحن. لذا فإن الأوان قد حان لترك الماضي للتاريخ ومؤرخيه، والكف عن تغذية الأحقاد، والتطلع بأسلوب إصلاحي نحو بناء دولة مواطنة حقيقية تتضمن لكل الليبيين عيشاً كريماً وحاضراً مستقراً.
سياسة
سياسة
سياسة
اقتصاد