ملايين الضحايا وخرائط الدم: قراءة في أطول الحروب الأهلية العربية ومسارات نهاياتها


هذا الخبر بعنوان "“ملايين الضحايا وخرائط الدم”.. أطول الحروب الأهلية العربية وكيف خمدت نيرانها؟" نشر أولاً على موقع المرصد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 26 سبتمبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت دول عربية خلال الـ70 عاما الماضية موجات متتالية من الحروب الأهلية المدمرة، والتي لم تكن مجرد صراعات عابرة على السلطة، بل انعكاساً لخلافات، وتهميش، وتدخلات إقليمية ودولية. وعلى الرغم من الفظاعة التي طبعت هذه الحروب والتكاليف البشرية الباهظة، إلا أن معظمها وصل إلى نهايات متفاوتة، فبينما انتهت بعضها باتفاقيات سلام هشة، حُسمت أخرى بانتصار عسكري أو تسويات للمصالحة الوطنية.
في لبنان، اندلعت الحرب الأهلية في أبريل 1975 بسبب توترات طائفية وسياسية متراكمة، تفاقمت بفعل الوجود الفلسطيني المسلح وضعف سلطة الدولة المركزية، لتستمر لنحو 15 عاماً. لم تحسم الحرب عسكرياً لصالح أي طرف، بل انتهت عبر مسار تفاوضي إقليمي أثمر عن توقيع “اتفاق الطائف” عام 1989، والذي أعاد توزيع السلطة ونزع سلاح الميليشيات، رغم أنه لم يطبق كاملا حتى الآن، نظرا لاحتفاظ أطراف لبنانية بسلاحها حتى الآن. وقد خلّفت هذه الحرب جرحاً عميقاً في النسيج الاجتماعي، حيث تقدر أعداد الضحايا بما يتراوح بين 120 ألفاً و150 ألف ضحية.
أما في الجزائر، فقد دخلت البلاد في نفق “العشرية السوداء” الذي اندلع عام 1991، بعد قرار الجيش إلغاء نتائج الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية التي كانت “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” على وشك الفوز بها. تحول الصراع إلى حرب أهلية طاحنة بين الدولة ومجموعات مسلحة متطرفة، واستمرت لنحو 11 عاماً من العنف الممنهج. انتهت هذه الحقبة الدامية عبر مسار “المصالحة الوطنية من الأعلى”، حيث طرح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مبادرة “الوئام المدني” عام 1999، وتوجها بـ “ميثاق السلم والمصالحة” عام 2005. وقد أسفرت هذه الحرب عن سقوط ما يقدر بـ 150 ألفاً إلى 200 ألف ضحية.
وفي السودان، تجلت مأساة الحروب الأهلية في أطول صراعات المنطقة امتداداً، حيث تعاقبت الحرب الأهلية الأولى (1955-1972) والثانية (1983-2005) بجذور تعود إلى الفوارق العرقية والدينية والسياسية بين المركز والأطراف. وانتهت تلك الحقبة بتوقيع “اتفاقية السلام الشامل” عام 2005، والتي مهدت لانفصال جنوب السودان عام 2011، وخلفت تلك الحروب التاريخية نحو مليوني ضحية.
لكن لم تكد جراح الماضي تلتئم، حتى اندلع نزاع أهلي جديد ومدمر في 15 أبريل 2023، بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات “الدعم السريع” بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). نشأ الصراع بسبب الخلافات الحادة حول دمج القوات المسلحة، والسيطرة على موارد الدولة، والفراغ السياسي عقب أحداث 2021. وتستمر هذه الحرب لأكثر من 3 سنوات (حتى عام 2026) دون حسم عسكري واضح، وسط جهود دولية وإقليمية متعثرة لوقف إطلاق النار، لتصبح من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً.
وفي العراق، تصاعدت الانقسامات الطائفية والسياسية بشكل كارثي بعد الغزو الأمريكي عام 2003، مما أشعل فتيل حرب أهلية طائفية شرسة بلغت ذروتها بين عامي 2006 و2008، ثم تحولت لاحقاً إلى حرب وجودية ضد تنظيم “داعش” الذي سيطر على ثلث البلاد عام 2014. استمرت مرحلة العنف الممتد هذه لنحو 14 عاماً، وانتهت عبر الحسم العسكري المدعوم دولياً بهزيمة التنظيم عام 2017، ليدفع العراق ثمناً باهظاً يتراوح بين 200 ألف و300 ألف ضحية.
وفي اليمن، تتواصل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث اندلعت الحرب الأهلية في عام 2014 بعد سيطرة جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) على العاصمة صنعاء، لتتصاعد في مارس 2015 مع تدخل تحالف تقوده السعودية. استمرت هذه الحرب لأكثر من 11 عاماً (حتى عام 2026)، متحولة إلى ساحة لصراع إقليمي بالوكالة نتيجة فشل الانتقال السياسي والتهميش المزمن. ورغم الهدنة الهشة منذ عام 2022، لا تزال البلاد مقسمة وبلغ عدد الضحايا أكثر من 370 ألف شخص.
ورغم إعلان نهاية بعض هذه الحروب رسمياً، فإن “سلام ما بعد الحرب” لا يزال هشاً، حيث تترك هذه الصراعات إرثاً ثقيلاً من النزوح وتدمير الاقتصادات وتصدع المجتمعات، لتثبت أن اتفاقيات وقف إطلاق النار وحدها لا تكفي دون معالجة جذرية للتهميش وتحقيق العدالة الانتقالية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة