ليبيا
اقتصاد

المؤتمرات في ليبيا: استثمار في المستقبل أم هدراً للمال العام في ظل أزمة الغلاء؟

عين ليبيا13 أكتوبر 2026 في 03:04 م0 مشاهدة
المؤتمرات في ليبيا: استثمار في المستقبل أم هدراً للمال العام في ظل أزمة الغلاء؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "كيف تُهدر ميزانيات المؤتمرات بينما يئنّ المواطن تحت أزمة الغلاء؟" نشر أولاً على موقع عين ليبيا وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 13 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في خضم الجدل المتصاعد حول أولويات الإنفاق العام في ليبيا، وفي ظل ما يُثار من قضايا تتعلق بعجز النقد الأجنبي والضغوط المالية، يبرز الإنفاق على استضافة المؤتمرات والفعاليات الدولية والوفود في طرابلس كموضوع يثير تساؤلات جوهرية حول جدواه الاقتصادية ومصادر تمويله، ومدى تأثيره على قدرة الدولة في تلبية احتياجات القطاعات الأخرى. يأتي هذا النقاش في وقت تتزايد فيه المطالب بتوجيه الموارد نحو الخدمات الأساسية والبنية التحتية، بينما يتساءل البعض عما إذا كانت هذه الفعاليات تشكل عبئاً إضافياً على المال العام، أم أنها تفتح أبواباً لتعزيز العلاقات الدولية وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وتجارية، لا سيما مع الدول الأفريقية. كما يثير هذا الملف قضايا تتعلق بدقة الأرقام المتداولة حول العجز المالي، وآليات احتساب مصادر النقد الأجنبي واستخداماته، والضوابط التي يجب أن تحكم الإنفاق العام.

في هذا السياق، يرى الدكتور محمد يوسف درميش، الذي شغل سابقاً منصب مشرف الملف الاقتصادي والاجتماعي بالمركز القومي للدراسات والبحوث العلمية، أن المشاركة في المؤتمرات والفعاليات لا تمثل استنزافاً للموارد، بل هي تنمية بشرية واستثمار في الإنسان وسبيل لفتح آفاق جديدة لبناء العلاقات مع مختلف الدول. ويشدد درميش على ضرورة أن يتم تمويل هذه الأنشطة وفق معايير واضحة ومحددة ومدروسة، وبما يحقق أهدافاً وفوائد ملموسة للدولة.

من جهة أخرى، يشكك درميش في دقة الأرقام المتداولة بشأن العجز المالي والنقد الأجنبي، معتبراً أن تحديد الوضع المالي الحقيقي يتطلب الاستناد إلى أدوات الإدارة المالية والميزانيات المقفلة والمراجعة الخارجية. ويؤكد أن ليبيا تمتلك، وفق تقديره، الموارد والإمكانات التي تتيح لها الإنفاق على مختلف المجالات متى أُديرت بكفاءة.

قنوات الإنفاق ومصادر تمويل المؤتمرات

يوضح درميش أن السلطة التنفيذية لديها قنوات متعددة للإنفاق، تشمل الموازنة السنوية والترتيبات المالية، وما يُشار إليه بـ«واحد اطناش»، بالإضافة إلى المؤسسات المالية والاستثمارية المملوكة للدولة التي تمتلك إيراداتها الخاصة، فضلاً عن المؤسسات الدولية المانحة. وقد تستعين الدولة بهذه القنوات في إقامة بعض المعارض والمؤتمرات والأنشطة المختلفة، مشيراً إلى أن تمويل هذه الفعاليات يمكن أن يرتبط بأكثر من مصدر، وليس بالضرورة أن يُنظر إليه من خلال بند واحد فقط.

وفيما يتعلق بعجز الميزانية، يرى درميش أن إثباته لا يتم إلا من خلال أدوات الإدارة المالية، وفي إطار ميزانية مقفلة تخضع للمراجعة من مكتب مراجعة خارجي مشهود له بالمصداقية، بما يعكس المركز المالي الحقيقي للدولة. وينتقد الأرقام التي تُنشر من مصادر مختلفة دون الاستناد إلى أدوات الإدارة المالية التي توضح الوضع الفعلي، معتبراً أن ما يُتداول من أرقام هنا وهناك لا يمت إلى الواقع بصلة إذا لم يعكس المركز المالي الحقيقي للدولة. ويشدد على أن الموقف المالي لا يمكن تحديده بدقة إلا بالرجوع إلى أدوات الإدارة المالية والبيانات التي تتيح تقييم الإيرادات والمصروفات بصورة متكاملة.

بيانات النقد الأجنبي لا تشمل جميع المصادر

في ما يتعلق بالعجز في العملة الأجنبية، يوضح درميش أن ما ينشره مصرف ليبيا المركزي لا يعبر عن إجمالي مصادر النقد الأجنبي، بل يحتسب جزءاً منها، يتمثل في الإيرادات النفطية التي تدخل عبر ما ورد في إجابته باسم «البنك العربي الخارجي الليبي». ولديه ليبيا إيرادات أخرى بالعملة الصعبة، تشمل إيرادات الموانئ والنقل البحري والوكالات الملاحية والاستثمارات والمساهمات ورأس المال العامل، إلى جانب ما يقوم به القطاع الخاص من تصدير لبعض السلع بالعملة الأجنبية. كما يساهم القطاع العام في تصدير السلع التي تحقق إيرادات بالعملة الصعبة، مستشهداً بالحديد والصلب، فضلاً عن مصادر أخرى أشار إليها ضمن حديثه عن تعدد الإيرادات الأجنبية.

ينتقد درميش ما وصفه بعدم التنسيق مع أدوات السياسات الاقتصادية والتجارية والمالية قبل نشر بيانات وأرقام مصادر النقد الأجنبي واستخداماته، معتبراً أن نشر هذه البيانات دون التنسيق المطلوب قد يؤدي إلى تقديم صورة غير مكتملة عن الوضع المالي. ويلخص موقفه بالقول إن المصرف المركزي يحتسب جميع الاستخدامات، لكنه لا يحتسب جميع المصادر، وفق قراءته للبيانات المنشورة.

المشاركة في الفعاليات تنمية بشرية واستثمار في الإنسان

يؤكد درميش أن المشاركة في المؤتمرات والفعاليات لا تعبر عن استنزاف للموارد، بل تمثل تنمية بشرية واستثماراً في البشر، إلى جانب فتح آفاق جديدة تساعد على بناء علاقات مع جميع الدول. ويوضح أن تمويل هذه الأنشطة ينبغي أن يتم وفق معايير واضحة ومحددة ومدروسة، وأن يكون مرتبطاً بتحقيق أهداف وفوائد للدولة، بما يجعل الإنفاق وسيلة لتحقيق نتائج ملموسة بدلًا من أن يكون مجرد إنفاق على إقامة الفعاليات. قد يكون ضخ الأموال مطلوباً لكسب ولاءات بعض الدول وتحقيق مكاسب لصالح ليبيا، معتبراً أن ذلك لا بأس به، لكنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة الاهتمام بالاستثمار في البنية التحتية، وألا يكون الاهتمام أحادي الجانب. وعلى متخذي القرار الاهتمام بجميع المجالات، وألا يقتصر الإنفاق على جانب دون آخر، مشيراً إلى أهمية الاستثمار في البشر بكل الوسائل، إلى جانب الإنفاق على البنية التحتية وتعزيز العلاقات الخارجية. كما يؤكد أنه لا بأس بالإنفاق الخارجي من أجل تحقيق مكاسب وتعزيز مكانة ليبيا الإقليمية والدولية، لافتاً إلى أن البلاد تمتلك موارد وأموالاً وإمكانات تستطيع من خلالها الإنفاق في المجالات كافة، وأن ما تحتاج إليه هو حسن الإدارة.

انتقاد سياسات الانكماش والضرائب وخفض قيمة الدينار

ينتقد درميش ما وصفهم بمحدودي الإدراك، معتبراً أنهم يضللون الحقائق ويدفعون ليبيا إلى اتباع سياسات الانكماش وفرض الضرائب وتخفيض قيمة الدينار، بحجة الاستدامة ومراعاة الأجيال القادمة، والقول إن الوعاء المالي لا يحتمل المزيد من الإنفاق. ويشير إلى أن هذه المبررات، بحسب رأيه، تستند إلى مصطلحات عفا عنها الزمن وتجاوزتها مراحل تطور الفكر الاقتصادي، معتبراً أن السياسات المرتبطة بها تسببت في كوارث للمجتمع الليبي. ويربط درميش هذه السياسات بما يعاني منه المجتمع الليبي حالياً، ومنه تضخم أرقام الميزانية العامة وتكدس العاملين.

ويشدد على أن التعامل مع التحديات الاقتصادية لا ينبغي أن يقوم على افتراض أن تقليص الإنفاق وفرض الضرائب وخفض قيمة الدينار هي حلول حتمية، بل يجب أن يستند إلى إدارة الموارد والإمكانات المتاحة بصورة تسمح للدولة بالإنفاق على مختلف المجالات.

تمويل الأنشطة الخارجية بشرط عدم الإضرار بالقطاعات الأخرى

فيما يتعلق بتمويل المؤتمرات والأنشطة الخارجية في ظل الحديث عن العجز، يرى درميش أن تمويل هذه الأنشطة مطلوب، بشرط ألا يكون على حساب المتغيرات الأخرى. ويجدد تأكيده أن العجز لا ينبغي الاعتداد به، وفق موقفه، ما لم يثبت من خلال ميزانية مقفلة تخضع لمراجعة مكتب مراجعة خارجي مشهود له بالمصداقية. ويضيف أن ليبيا دولة لا تعاني، بحسب تقديره، من شح الموارد، وتستطيع تغطية جميع التكاليف والإنفاق على المجالات كافة. ومع زيادة أسعار النفط، تحصل ليبيا، وفق قوله، على وفرة كبيرة ومضاعفة في الإيرادات، معتبراً أن ذلك يعزز قدرة الدولة على تمويل التزاماتها ومجالات الإنفاق المختلفة.

يقارن درميش بين ما يراه من إمكانات مالية متاحة للدولة وما وصفه بترويج بعض الأطراف لمعلومات مضللة وقلب الحقائق بهدف تضليل الرأي العام، مشدداً على أن حسن إدارة الموارد يمكن أن يتيح للدولة تغطية التكاليف والإنفاق على مختلف المجالات.

الميزانية السنوية والميزانية المقفلة والرقابة المالية

يؤكد درميش أن الإنفاق يجب أن يكون وفق موازنة سنوية تعتمدها الجهة التشريعية في بداية السنة، إلى جانب إعداد ميزانية مقفلة في نهاية العام. ويوضح أن الانقسامات السياسية تؤثر سلباً في هذه الإجراءات، وتنعكس على انتظام المسارات المالية المرتبطة بإقرار الموازنة وإقفال الميزانية ومراجعة الحسابات. ومع ذلك، يصف درميش المركز المالي لليبيا بأنه جيد جداً، والاقتصاد بأنه ممتاز، وفق تقديره، معتبراً أن ذلك يخالف ما يروجه بعض الأطراف بشأن الوضع المالي والاقتصادي للبلاد. وتستطيع الدولة الإنفاق في الخارج والقضاء على الاختلالات الداخلية في الوقت نفسه، شريطة حسن إدارة الموارد والأموال، بما يضمن الاستفادة من الإمكانات المتاحة وتوجيهها نحو مختلف الالتزامات والأهداف.

مقارنة نفقات الدولة بالدولار بين الأعوام المختلفة

بشأن تكاليف الإقامة والمصروفات والأعباء التي تتحملها الميزانية العامة نتيجة استضافة المؤتمرات والوفود، يدعو درميش إلى مقارنة مصروفات الدولة خلال الأعوام 2025 و2024 و2023 بمصروفاتها خلال الأعوام 2010 و2013 و2014. ويشدد على أن المقارنة ينبغي أن تتم بالدولار، معتبراً أن ذلك يساعد على معرفة الحقيقة الكاملة بشأن حجم النفقات، ويتيح تقييم المصروفات بعيداً عما وصفه بالتضليل وقلب الحقائق. ولم يقدم درميش أرقاماً محددة لتكاليف الإقامة أو المصروفات المرتبطة باستضافة الوفود، كما لم يورد بيانات رقمية تفصيلية للمقارنة بين الأعوام التي حددها، وإنما دعا إلى إجراء المقارنة بين مصروفات الدولة خلال تلك السنوات وبالعملة نفسها للوصول إلى صورة أوضح عن حجم الإنفاق.

التوجه نحو أفريقيا وفرص تعزيز الاقتصاد الليبي

في ما يتعلق بالفرص الاقتصادية والمزايا التجارية المباشرة التي يمكن أن تجنيها ليبيا من التوجه نحو أفريقيا، يرى درميش أن ليبيا تقع في قلب العالم وفي قلب الساحل الأفريقي، وتمثل مركزاً تجارياً مهماً منذ القدم، وليس في الوقت الراهن فقط. ويوضح أن ليبيا تربط وسط وغرب أفريقيا بشمال القارة عبر منطقة مرزق، التي وصفها بأنها ملتقى للقوافل التجارية، مشيراً إلى أن هذه الطرق تربط بين الجبل الأخضر، الذي قال إنه يمثل شرق شمال أفريقيا، وطرابلس وتونس، وصولاً إلى الساقية الحمراء ووادي الذهب، اللتين وصفهما بأنهما تمثلان شمال غرب أفريقيا. ويؤكد أن تاريخ ليبيا التجاري ليس حديثاً، بل إنها كانت رائدة في هذا المجال، معتبراً أن التوجه نحو أفريقيا قرار صائب من شأنه زيادة القدرة التنافسية للاقتصاد الليبي، وتعزيز الدخل القومي، وفتح فرص عمل جديدة. وتتطلب الاستفادة من هذه الفرص حسن إدارة التوجه نحو القارة الأفريقية، بما يضمن تحويل الموقع الجغرافي والتاريخ التجاري لليبيا إلى مكاسب اقتصادية وتجارية، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على المنافسة ورفع الدخل القومي وخلق فرص عمل. ويختتم درميش بالتأكيد على أن ما تحتاج إليه ليبيا هو حسن إدارة هذا التوجه، منتقداً ما وصفهم بمحدودي الإدراك وقليلي المعرفة والخبرة ممن يشككون في جدواه. وبذلك ربط درميش بين دفاعه عن الإنفاق على المؤتمرات والفعاليات باعتباره استثماراً في البشر والعلاقات الدولية، وبين رؤيته للوضع المالي الليبي، التي تقوم على أن البلاد تمتلك موارد وإمكانات تمكّنها من الإنفاق على مختلف المجالات، مع ضرورة اعتماد الموازنات ومراجعة الحسابات، وعدم تحميل قطاع مسؤولية الإنفاق على حساب القطاعات الأخرى، وحسن إدارة الموارد والأموال لتحقيق المصالح الداخلية والخارجية للدولة.

شارك الخبر: