تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي في ليبيا: تقاليد عريقة توثقها شهادات الرحالة عبر الأزمان


هذا الخبر بعنوان "رايات المحبة.. حكاية المولد النبوي في ليبيا عبر الأزمان" نشر أولاً على موقع ليبيا الأحرار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 24 أغسطس 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لقرون طويلة، مثّل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، المعروف محلياً بـ"الميلود"، إحدى أبرز المناسبات وأكثرها توثيقاً في التاريخ الليبي. تميزت هذه المناسبة بتنوع تقاليدها التي شملت مختلف طبقات المجتمع من ولاة ووجهاء وفقهاء وتلاميذ وعامة الناس، لتغمر مظاهره الشوارع والزوايا والبيوت في كافة أنحاء البلاد.
تسجل الكاتبة البريطانية المعروفة باسم "الآنسة توللي" في كتابها "عشر سنوات في طرابلس" مشاهداتها خلال العهد القرمانلي في أواخر القرن الثامن عشر، مشيرة إلى إقامة احتفالات كبرى وإيقاد النيران والمصابيح للزينة في مواكب تجوب الشوارع بمشاركة الأطفال حاملين الشموع ومؤدين المدائح النبوية، بالتزامن مع إضاءة منابر المساجد. وتأتي هذه الاحتفالات آنذاك بعد فترة عصيبة شهدتها طرابلس بسبب الطاعون.
وفي شهادة محلية مهمة، يدون المؤرخ "حسن الفقيه حسن" صاحب "اليوميات الليبية" في 12 ربيع الأول 1246هـ توقف مواكب الطرق الصوفية -أو ما يُعرف بـ"الحضاري"- عن الزيارة بسبب وفاة "اللا الجهانية" زوجة الباشا والشخصية المحورية في المدينة، مما يعكس مدى تأثر طقوس المولد بظروف الحياة العامة والحداد.
ولا يقتصر الاحتفال على طرابلس وحدها؛ فقد وثق الرحالة الإنجليزي "جورج فرانسيس ليون" مظاهر احتفال ليلة المولد سنة 1819 في منطقة القطرون بأقصى الجنوب الليبي، حيث رصد مشاركة بنات التبو الصغيرات بزي أزياءهن وحليهن التقليدية وسط أصوات الموسيقى والغناء. وفي الجفرة، نقل الرحالة التونسي "محمد بن عثمان الحشائشي" خلال رحلته (1895-1896) تفاصيل احتفالات مدينة ودان والزاوية السنوسية التي شهدت تلاوة القرآن الكريم والأحاديث النبوية.
كما وصف الجغرافي الألماني "إيفالد بانزة" مظاهر الاحتفال خلال أواخر العهد العثماني بين سنتي 1906 و1909، ممثلة في ارتداء الرجال أفضل الملابس، وتجمعهم في الجوامع، وتسيير المسيرات مع قرع الطبول والمدائح والرايات المزينة بآيات قرآنية. وتتواصل شهادات النصف الأول من القرن العشرين مع المعلم الإيطالي "جيوفاني بياتسا" الذي عاش في ليبيا، فوصف مواكب المشاعل، والخميسة المزينة بالشموع، وطلوع الزوايا في اليوم التالي، إضافة إلى إعداد العصيدة بالرب وتقديمها للأطفال والبيوت.
إلى جانب ذلك، شهدت المساجد والزوايا إقبالاً على قراءة السيرة والمدائح مثل "القصائد الوترية في مدح خير البرية" لمجد الدين الوتري البغدادي، وديوان الشيخ أحمد بن الحسين البهلول. وقد عبرت صحيفة الكشاف الليبية سنة 1909 عن هذا التعظيم، بينما وثق الحاج عبد الباقي الحسيني الجزائري احتفالات سنة 1959 في مصراتة وبنغازي بقراءة مولد الشيخ العروسي، لتجتمع هذه الشهادات عبر قرون على رسم لوحة متكاملة لمولد نبوي يفيض من المساجد إلى الشوارع والبيوت والزوايا.
اقتصاد
سياسة
تكنولوجيا
سياسة