قصص المأساة والذاكرة: كيف حفرت "سنة الرحمة" جراح الإنفلونزا الإسبانية في العالم العربي؟


هذا الخبر بعنوان "“سنة الرحمة” في الذاكرة العربية" نشر أولاً على موقع المرصد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 5 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهد 5 أكتوبر عام 2005 إعلان العلماء نجاحهم في تحديد التسلسل الجيني لسلالة فيروس "الإنفلونزا الإسبانية"، وهي الجائحة التي بلغ من قسوتها أن عُرفت في المنطقة العربية باسم "سنة الرحمة". اجتاحت هذه الجائحة العالم بأسره بين عامي 1918 و1920، حيث أُصيب حوالي 550 مليون شخص، وهو ما كان يعادل ثلث سكان العالم حينها، بينما قُدِّرت حصيلة الوفيات بين 50 و100 مليون شخص.
تُعد جائحة عام 1918 أكثر تفشٍّ للأمراض المعدية فتكاً في التاريخ الحديث، وتسببت فيها سلالة فيروس الإنفلونزا "A" من النوع "H1N1". وتشير الأبحاث إلى تحور الفيروس على الأرجح من فيروس يصيب الطيور مع احتمال تورط فيروس آخر يصيب الخنازير، وقد اجتاح العالم في ثلاث موجات. في غضون عام واحد فقط، حصد الوباء أرواحاً تفوق في عددها مجموع ضحايا الحربين العالميتين معاً، وعُرف في بعض البلدان باسم "الموت الأزرق" لتغير لون وجوه المصابين في المراحل الأخيرة. أما تسمية "الإنفلونزا الإسبانية" فجاءت لأن إسبانيا كانت من أوائل الدول التي اعترفت علناً بحجم الكارثة.
كان لجائحة الإنفلونزا الإسبانية تأثير عميق ومدمر على المنطقة العربية، مخلفةً وراءها معدلات وفيات مرتفعة واضطرابات اجتماعية واسعة النطاق فاقمت من وطأة المصاعب التي خلفتها الحرب العالمية الأولى. وقد عُرفت في المنطقة بأسماء مثل "سنة الرحمة" و"سنة الحمى".
تفاوتت حصيلة الوفيات في أنحاء العالم العربي؛ ففي مصر، قدّر تقرير بريطاني رسمي عدد الوفيات بـ139.000 شخص (1 في المئة من السكان)، بينما قدرها باحثون آخرون بـ180.000 مصاباً بـ500.000 إصابة. وفي الكويت، توفي حوالي 4000 شخص بنسبة 6.1 في المئة من إجمالي السكان بحسب تقرير للبعثة الأمريكية. وفي شبه الجزيرة العربية، أدت الجائحة إلى إبادة بلدات وقرى بأكملها؛ ففي الرياض وحدها تجاوز عدد الوفيات 1000 حالة، مع تسجيل أرقام مماثلة في بريدة وعنيزة بمنطقة القصيم في المملكة العربية السعودية حاليا. وفي العراق، قُدِّر الضحايا بحوالي 2500 شخص بين أفراد قبائل في منطقة واحدة. أما في بلاد الشام (سوريا، لبنان، فلسطين، والأردن)، فقد بلغ عدد الوفيات مئات الآلاف، وتضررت المنطقة بشدة من الموجة الثانية في أواخر عام 1918 بسبب تحركات القوات العسكرية البريطانية. وفي المغرب، أودت الجائحة بحياة أكثر من 60.000 شخص في مدن مثل طنجة والقرى المحيطة بها. وفي الجزائر، سُجلت 30.382 حالة وفاة على الأقل في صفوف العسكريين من بين أكثر من 400.000 جندي أُصيبوا بالمرض في الحقبة الاستعمارية.
تجاوز تأثير الوباء حصيلة الوفيات المباشرة؛ فقد أدى إلى نقص في التوابيت في بعض المناطق مما اضطر الناس لاستخدام الأبواب والأغطية لنقل الجثث، وأُنهك حفارو القبور. وفي مصر، ساهمت استجابة الحكومة غير الكافية ونقص الغذاء وارتفاع الأسعار في تأجيج الاضطرابات المؤدية إلى الانتفاضة الوطنية عام 1919. ورغم مرور أكثر من قرن، لا تزال "سنة الرحمة" حاضرة في الذاكرة الشعبية العربية شاهدة على واحدة من أقسى الكوارث الصحية.
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات