جدل دستوري في ليبيا: تفسير «الأغلبية المطلقة» وازدواجية القضاء الدستوري


هذا الخبر بعنوان "قراءة في قرار «الأغلبية المطلقة» وازدواج القضاء الدستوري في ليبيا" نشر أولاً على موقع عين ليبيا وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 12 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مقالات رأي
د. مجدي الشبعاني
أستاذ القانون العام المساعد بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا
في 12 أكتوبر 2026، أصدرت المحكمة الدستورية العليا قرارًا بشأن طلب التفسير التشريعي رقم (2/8 ق.د)، محددةً أن الأغلبية المطلقة المنصوص عليها في القانون رقم (4) لسنة 2014 بشأن النظام الداخلي لمجلس النواب تعني «نصف الأعضاء زائد واحد ممن لا تزال عضويتهم قائمة قانونًا»، مستبعدةً المقاعد الشاغرة. يسري هذا التفسير على الأعمال البرلمانية التي تتطلب هذه الأغلبية، بما في ذلك مناقشة التشريعات وإقرارها وتعديلها.
لكن القرار يثير تساؤلات أعمق حول سلطة إصدار التفسير التشريعي الملزم في النظام القانوني الليبي، وما إذا كانت ليبيا تشهد ازدواجية في ممارسة القضاء الدستوري أو تنازعًا حول الاختصاص.
أنواع التفسير:
السؤال الجوهري ليس قدرة القضاء على تفسير القانون، بل إمكانية إصدار تفسير مجرد وملزم للكافة خارج الخصومة القضائية.
الوضع في ظل قانون المحكمة العليا:
قانون المحكمة العليا رقم (6) لسنة 1982، المعدل بالقانون رقم (17) لسنة 1994، أسند للمحكمة العليا منعقدة بدوائرها المجتمعة الفصل في الطعون الدستورية والمسائل القانونية الجوهرية. كانت المادة (31) تقرر أن المبادئ القانونية التي تقررها المحكمة ملزمة لجميع المحاكم والجهات. لم ينشئ القانون طريقًا عامًا لطلب تفسير مجرد للقوانين العادية، وكان تفسير القوانين يتم أساسًا عبر المنازعات القضائية.
الاتفاق السياسي وسلطة التفسير:
الاتفاق السياسي الليبي لم يسند اختصاصًا عامًا بتفسير الاتفاق أو القوانين للمحكمة العليا، بل أنشأ لجنة خاصة للفصل في المنازعات القانونية الناشئة عن تفسير الاتفاق وتطبيقه، تتكون من مستشار من المحكمة العليا وعضوين عن مجلس النواب وعضوين عن المجلس الأعلى للدولة. ورغم اعتبار الجزء المؤسسي من الاتفاق السياسي جزءًا من البنية الدستورية، إلا أن الاتفاق لا يقدم سندًا لانتقال الاختصاص العام بالتفسير التشريعي إلى المحكمة العليا.
القانون رقم (5) لسنة 2023:
استحدث هذا القانون اختصاصًا صريحًا للمحكمة الدستورية العليا بتفسير النصوص التشريعية إذا أثارت خلافًا في التطبيق. حددت المادة (27) طريق تقديم الطلب، وجعلت المادة (43) قرارات المحكمة ملزمة لجميع سلطات الدولة. لكن دستورية هذا القانون نفسه أصبحت محل نزاع دستوري حاد.
ازدواجية القضاء الدستوري أم تنازع تأسيسي؟
قضت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بعدم دستورية القانون رقم (5) لسنة 2023، معتبرة أن مجلس النواب لم يكن يملك إعادة بناء القضاء الدستوري. في المقابل، أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمًا باعتبار حكمي الدائرة الدستورية منعدمين، تأسيسًا على أن القانون رقم (5) لسنة 2023 كان قد سلب اختصاص الدائرة قبل إصدارها هذين الحكمين.
هذه الدائرة القانونية المغلقة تعكس تنازعًا تأسيسيًا، حيث تنكر كل جهة الأساس القانوني لاختصاص الجهة الأخرى. وصف الحالة بأنها «ازدواج القضاء الدستوري» قد لا يكون دقيقًا، فالازدواج يفترض وجود جهتين قائمتين بموجب قواعد واضحة.
القوة الملزمة لقرار تفسير الأغلبية:
وفقًا للقانون رقم (5) لسنة 2023، فإن قرار التفسير ملزم للكافة. لكن إذا اعتُد بحكم الدائرة الدستورية بعدم دستورية القانون، فإن الأساس القانوني لإنشاء المحكمة واختصاصها التفسيري يصبح منتفيًا. القرار يتمتع بالقوة الملزمة داخل البناء القانوني للقانون رقم (5) لسنة 2023، لكنه يواجه منازعة تأسيسية جدية.
الشروط الإجرائية لطلب التفسير:
تشير صورة الحكم إلى أن الطلب مقدم من رئيس مجلس الوزراء، بينما تجعل المادة (27) من القانون رقم (5) لسنة 2023 تقديم الطلب عن طريق وزير العدل بناءً على طلب إحدى الجهات المحددة. إذا كان الطلب قد قُدم مباشرة من رئيس مجلس الوزراء دون اتباع الطريق القانوني، فإن قبول الطلب شكلاً يصبح محل نظر جدي.
كما تشترط المادة (22) أن يكون النص قد أثار خلافًا في التطبيق وأن تكون أهميته مقتضية لتوحيد تفسيره، وليس مجرد أهمية سياسية أو خلاف نظري.
تقييم مضمون تفسير «الأغلبية المطلقة»:
يعرف النظام الداخلي لمجلس النواب الأغلبية المطلقة بأنها نصف عدد الأعضاء زائد واحد ممن أعلنت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات نتائجهم النهائية. قرار المحكمة باستبعاد المقاعد الشاغرة يمكن الدفاع عنه وظيفيًا، لكنه يضيف معيارًا متحركًا (بقاء العضوية قائمة قانونًا) لم يرد في النص الحرفي. يجب عدم الخلط بين المقعد الشاغر والعضو الغائب أو المقاطع للجلسات.
أما مسألة اشتراط الأغلبية المطلقة لإقرار جميع التشريعات، فهي أخطر نقاط القرار. القراءة المنضبطة للقرار تحدد طريقة حساب الأغلبية المطلقة حيثما اشترطها نص، بينما القراءة الموسعة قد تعني استحداث أغلبية جديدة لإقرار القوانين العادية، مما يعطل حكم المادة (7) من النظام الداخلي.
الخلاصة:
إن جوهر الأزمة هو تحديد المرجعية التي تملك الكلمة الدستورية النهائية. لا يمكن معالجة ذلك بتبادل الأحكام التي تنفي وجود الجهة الأخرى. المطلوب هو توحيد المرجعية الدستورية بنص سليم يحدد موقع المحكمة العليا، ومصير الدائرة الدستورية، وحدود اختصاص المحكمة الدستورية العليا، وأثر الأحكام السابقة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة