لغز نظّارات عمر المختار: الحقيقة الغائبة بين طرابلس وروما وحلب


هذا الخبر بعنوان "نظّارات عمر المختار.. سرّ بين روما وطرابلس" نشر أولاً على موقع ليبيا الأحرار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 16 سبتمبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تستمد الأشياء قيمتها من قيمة أصحابها، وما تزال مقتنيات الشخصيات التاريخية الكبرى محط اهتمام كبير من الناس. وتمثل مقتنيات شيخ الشهداء عمر المختار، الرمز الوطني لليبيا، مثالًا حيًّا على هذه الحقيقة، فقد مثلت نظارته بشكل خاص عنصرًا رئيسيًا ورمزيًّا لقصته، واستحوذت على اهتمام الكثيرين، ليس محبيه فحسب، بل حتى ألدّ أعدائه من قبل، المحتل نفسه.
يعرض الفيلم الشهير "أسد الصحراء" مشهدًا دراميًّا لنظارة عمر المختار وهي تسقط منه خلال شنقه، بينما يهرع صبي لالتقاطها. وقد شاع الاعتقاد بأن هذا المشهد حقيقي، لكن المؤرخ يوسف عبد الهادي ينفي صحة هذا المشهد برمته، معتبرًا أن حادثة سقوط النظارة ووجودها أصلًا في هذه اللحظة من خيال صناع الفيلم. وتعود القصة الحقيقية للنظارة، بحسب ما أفادنا به "عبد الهادي"، إلى معركة وادي السانية التي وقعت في الثامن من أغسطس سنة 1930 بحسب معجم التليسي، وهي المعركة التي فقد خلالها المختار بعض مقتنياته، وهي رواية تتوافق مع الرواية الإيطالية على لسان رودولفو غراتسياني نفسه، القائد العسكري الإيطالي المسؤول عن قمع المقاومة وارتكاب سلسلة من جرائم الحرب والإبادة، والذي كتب في مذكراته إنه أظهر النظارة أمام عمر المختار، حين التقاه بعد أسره في سبتمبر عام 1931، وسأله عنها حيث أجابه: "نعم، إنها لي، وقد وقعت مني أثناء إحدى المعارك".
هذه النظارة لها اليوم أكثر من أثر ورواية، إذ ظهرت نظارات منسوبة إلى عمر المختار في ثلاثة أماكن: واحدة في طرابلس، وأخرى في روما، وثالثة في حلب، وكل واحدة منها ارتبطت -بدرجات مختلفة- بادعاء أنها الأصل. وتنقل الباحثة الإيطالية بياتريتشي فالكوتشي عن أبو عمر، مالك نظارة "حلب"، أنها قد أُخذت من على المشنقة في سلوق، حيث أعدم قائد المقاومة الليبية، على يد شاب ليبي لجأ إلى سوريا هربًا من القمع الإيطالي. وفي حديثنا مع العم الأستاذ "محمد محيي الدين أنيس" الملقب بأبي عمر، وهو جامع تحف وسيارات كلاسيكية مشهور في سوريا، قال إن النظارة التي اقتناها منذ عشرين عامًا قد سرقت مؤخرًا، مؤكدًا أن ذلك النوع من النظارات كان شائعا وقتها، وأنه يعتقد أنها فرنسية الصنع، وأن نسبتها إلى عمر المختار لم تتجاوز كونها "تشبيهًا" بالنظارة التي اشتهر اقتناؤه لها. وبذلك يمكن إخراج نسخة حلب من سباق الأصالة بحسب شهادة مالكها نفسه.
وهكذا تتقلص المسألة سريعًا من ثلاث نظارات إلى اثنتين فقط: واحدة في روما، وأخرى في طرابلس. أرسل الإيطاليون مقتنيات المختار الشخصية، وبشكل خاص محفظته ونظارته، إلى المتحف الاستعماري في روما بعد إعدامه، لتكون شاهدة على "اكتمال غزو ليبيا وإخضاعها". وفي عام 2023، قدمت الباحثة المصرية-الأمريكية ملك ياقوت دراسة استقصائية عن النظارة التي يحتفظ بها المتحف في روما، وتتبعت ياقوت علامات مطبوعة على الحافظة الجلدية للنظارة، فقادتها إلى صانع وبائع نظارات شهير في الإسكندرية يدعى مارون أياك. وتذهب ملك في الخلاصة إلى أن النظارة صودرت أثناء استجواب عمر المختار على يد غراتسياني، ليس في المعركة ولا بعد الإعدام.
أما النظارة المعروضة في المتحف الوطني الليبي بطرابلس، فتأتي لضيف تحديًّا آخر تحت عنوان "نظارات تاريخية استخدمها عمر المختار". وبالعودة إلى كتاب غراتسياني "برقة الهادئة" في نصه الإيطالي "Cirenaica pacificata"، يصف غراتسياني النظارة بأنها "نظارة ذات أذرع ذهبية، في حافظة فضية فاخرة". وهذا التطابق يرفع أسهم النظارة المعروضة في طرابلس، رغم غياب البيانات الوصفية الدقيقة عن تاريخ دخولها إلى المتحف.
وفي عام 1955، تلقت الحكومة الليبية طلباً رسمياً لإعادة مقتنيات عمر المختار الشخصية من روما، وتظهر الوثائق وجود ملفات تخص استعادة مواد أثرية للمتاحف الليبية. وعند هذه النقطة، تشير الصحفية والمؤرخة الإيطالية باولا كاريدي إلى أنه في الواقع قد أحضر رودولفو غراتسياني نظارتين من نظارات عمر المختار، إحداهما طبية والأخرى شمسية، ووافقت إيطاليا على إعادة نظارة واحدة واحتفظت بالأخرى، مما يرجح أن كلتا النظارتين في طرابلس وروما قد تكونان أصليتين.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة